السيد محمد حسين فضل الله
50
من وحي القرآن
إبراهيم عليه السّلام يباشر الدعوة إلى اللّه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا قد يكون من الضروري للنبي ، أو للداعية بشكل عام ، أن يستحضر في وعيه ملامح الشخصيات الرسالية التي تمثل النموذج الأكمل لحركة الإنسان الرسالي في الدعوة ، ليدرس أساليبها ، ويستلهم روحيتها ، وينتفع بتجربتها . . ومن أبرز هؤلاء إبراهيم - النبي - وهو النبي الصديق الذي كانت حياته صدقا كلها ، مع نفسه ومع ربه ومع الناس من حوله ، فلم يجامل أحدا في الحق ، ولم يهادن قريبا أو بعيدا في مستلزمات الرسالة ، ولم يترك في حياته فراغا لغيرها ، بل كانت الرسالة كل فكره ، وهمه ، وكل حياته . . فقد كانت تجربته غنية بالتنوع الذي يحكم جوانبها ، كما كانت روحيته ، في علاقته باللّه وفي إخلاصه للرسالة ، في المستوى الأعلى من روحية الأنبياء والصديقين ، وقد يكون من بين تجاربه الرائعة التي تعكس عمقه الروحي تجربته مع أبيه . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً فقد رأى أباه يعبد الأصنام التي يعبدها قومه ، وهو بذلك خاضع كغيره لعادة السير على خطي الآباء والأجداد وتقليدهم في السلوك . والسبب غياب الوعي الفكري ، الذي يكفل عدم صدور أي عمل عن الإنسان إلا بعد دراسة طبيعته وخلفياته ونتائجه ، ومدى انسجامه مع الجانب الخيّر من الحياة مع موقع الحق في الفكر . وتبقي للعادة حرمتها وقداستها ويعمل الجميع على تبريرها بأن يفرضوا لها أسرارا عميقة غامضة في قدراتها الذاتية في الخير والشر . وهكذا أراد إبراهيم أن يثير التساؤل في تفكير أبيه ، وذلك بأن يطرح عليه الجانب اللامعقول في هذه العبادة بطريقة بسيطة لا تكلّف الإنسان بذل أيّ جهد